ارفع صوتك: قصة حملة لمناهضة التعذيب

Overview

يونيو 23, 2026

عن الحوار

  • اللغة : اللغة العربية
  • المدة : 28:18
  • المتحدثين : سارة نصرالله
العدالة والمصالحة , السجن وإنفاذ القانون

مرحبًا بكم في حلقةٍ جديدةٍ من بودكاست “دردشة عن حقوق الإنسان” لبرنامج التكتيكات الجديدة في حقوق الإنسان.

وحلقتنا اليوم بعنوان: “ارفع صوتك: قصة حملة لمناهضة التعذيب”، حوارٌ مع الناشطة والمتخصصة في مجال حقوق الإنسان سارة نصر الله حول حملة “ارفع صوتك ضد التعذيب”.

سارة نصر الله هي ناشطةٌ ومتخصصةٌ في مجال حقوق الإنسان، تعمل حاليًا مع المركز اللبناني لحقوق الإنسان (CLDH)، حيث تركز على المناصرة والتوثيق وقضايا الحماية المرتبطة بالتعذيب وظروف الاحتجاز والنزوح، والمساءلة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني في لبنان. يشمل عملها رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك الهجمات ضد المدنيين والطواقم الطبية والفئات الأكثر هشاشةً والمتضررة من النزاع، إلى جانب دعم جهود المناصرة الاستراتيجية الرامية إلى تعزيز المساءلة والإصلاح القانوني.

أيمن: أهلاً وسهلاً بكِ، سارة. كيف حالكِ؟
سارة: أهلاً وسهلاً بك. شكرًا جزيلًا على الاستضافة. أنا بخير، والحمد لله. كيف حالك أنت؟
أيمن: الحمد لله، بخير. لقد اشتقنا إليكِ خلال هذه الفترة، وأود أن أشكركِ على كل الجهد الذي تبذلينه وعلى العمل المهم الذي تقومين به.

سارة: شكرًا جزيلًا، هذا لطفٌ منك

أيمن: اليوم باستضافتنا معكِ نودّ أن نتحدث أكثر عن حملتكم «ارفع صوتك ضد التعذيب». وبما أن بداية العمل على الحملة كانت ضمن مشاركتك في التدريب الإقليمي العاشر، فهل يمكن أن نبدأ من هناك؟ كيف كانت تجربتك في ذلك التدريب، وما أثره على تطور الحملة؟

سارة: بالتأكيد. أنا شخصيًا كنتُ سعيدةً جدًا بأن أكون جزءًا من هذا التدريب الإقليمي، خصوصًا أنني أعمل في مجال المناصرة، وكنت أبحث عن فرصة لتعميق فهمي للمناصرة الاستراتيجية بطريقة أكثر عمليةً وتنظيمًا.

كان هدفي تعزيز قدرتي على تطوير استراتيجية طويلة الأمد، وفهم كيفية تطبيق الاستراتيجيات بشكلٍ فعّال مع مرور الوقت، لأن الأثر المستدام لا يتحقق إلا من خلال تخطيطٍ واضحٍ وعملٍ متواصل. وبصراحة، شعرت أن الطريقة التي صُمِّم بها التدريب قدّمت للمشاركين فرصةً لفهم كل مرحلة من مراحل التخطيط الاستراتيجي بشكلٍ معمّق، خطوةً بخطوة، مما سهّل علينا استيعاب جميع المكوّنات اللازمة لبناء استراتيجية مناصرة فعّالة.

وبالنسبة لي، كان الشيء الأكثر فائدة هو الطابع العملي للتدريب، إذ أتاح لنا فرصة تطبيق المفاهيم التي تعلّمناها بشكلٍ مباشر، بدل الاكتفاء بالنظريات. ومن خلال التمارين العملية، أصبح واضحًا مدى فائدة إطار العمل الخاص بالتفكير الاستراتيجي الفعّال، وكيفية تطبيق كل خطوة ضمن العمل الجماعي على قضايا تهمّنا.

كما أود أن أشكر الفريق على الطابع الشمولي للمنهجية، لأنها تأخذ بعين الاعتبار أبعادًا متعددة مرتبطة بالتخطيط والتنفيذ، وأجد أن هذا الإطار يمكن تطبيقه في مساحاتٍ مختلفة وفي مختلف المبادرات التي نبنيها.

كان التدريب بحد ذاته تجربةً غنيةً جدًا، وقد حقق توازنًا جميلًا بين النظرية والتطبيق، وهذا ما ساعدني على فهم المنهجية بشكلٍ أعمق. وعلى الصعيد الشخصي، كان من المفيد جدًا أيضًا توفر الموارد على الموقع الإلكتروني، إذ كنت أعود إليها كلما احتجت إلى إجابة عن أسئلتي حتى بعد انتهاء الجلسات وعودتي إلى لبنان.

كما أن «المنحة الصغيرة للمشاريع» التي قُدّمت لبعض المشاركين كانت عنصرًا محفّزًا جدًا، لأنها شجعتنا على تحويل ما تعلّمناه إلى خطواتٍ عملية داخل مؤسساتنا، بدل أن يبقى مجرد تدريبٍ نظري، وهذا ما جعل التجربة أكثر واقعيةً وأثرًا، وساعد في تطوير الحملة ونموّها.

أيمن: شكرًا لكِ على هذه الشهادة. والآن ننتقل إلى الحملة نفسها. حدثينا أكثر عن حملة «ارفع صوتك ضد التعذيب». كيف بدأت، وما السياق الذي أدى إلى إطلاقها؟ وما هي الانتهاكات التي تتعامل معها هذه الحملة؟

سارة: دعوني أولًا أوضح السياق الذي انطلقت منه هذه الحملة.

كنتُ مهتمةً منذ البداية بموضوع التعذيب، خصوصًا أن المركز الذي أعمل معه يعطي أهميةً كبيرةً لدعم ضحايا التعذيب وإعادة تأهيلهم. وكانت قضية التعذيب دائمًا من المحاور الأساسية في عملنا، سواء من خلال التعامل المباشر مع الناجين أو عبر المناصرة الأوسع الهادفة إلى الإصلاح القانوني والمؤسساتي في لبنان.

على مرّ السنوات، كانت هناك جهودٌ مستمرةٌ لإصلاح الإطار القانوني المتعلق بمنع التعذيب والمساءلة عنه في لبنان، بما في ذلك المناصرة لتعديل القانون رقم 65 لعام 2017 المتعلق بمعاقبة التعذيب، ليصبح أكثر انسجامًا مع المعايير الدولية.

وكنا من بين الجمعيات التي عملت على جهود المناصرة من أجل إقرار قانونٍ يُعنى بمكافحة التعذيب في لبنان، والمساهمة في إيجاد إطارٍ قانونيٍّ يجرّم هذه الممارسات ويعزز المساءلة عنها، وقد عملنا عن قرب مع المديرية العامة لأمن الدولة من خلال تقديم تدريبات حول تقنيات المقابلة غير العنيفة التي تحترم حقوق الإنسان، بالإضافة إلى مبادئ ومعايير أساسية لحقوق الإنسان.

كان الهدف من هذه التدريبات المساهمة في بناء ثقافة أقوى لحقوق الإنسان داخل مؤسسات الدولة والمؤسسات الأمنية في لبنان، وإيجاد بدائل عن ممارسات التحقيق العنيفة، وصولًا إلى نظامٍ أكثر التزامًا بمعايير حقوق الإنسان وأقل اعتمادًا على التعذيب والانتهاكات.

هذا هو المسار الذي عملنا عليه منذ فترة طويلة، ولكن بالرغم من كل الجهود التي بذلناها في المناصرة، والاجتماعات، والتواصل المباشر مع الوزراء وأصحاب القرار، أصبح واضحًا بالنسبة لي أن الطريق ما زال طويلًا. فاستمرار حالات التعذيب، بما في ذلك حالات وفاة خلال التحقيق وعلى أيدي مسؤولين، أظهر الحاجة إلى مقاربةٍ أكثر استراتيجية وشمولية.

قبل المشاركة في التدريب، كان عملنا في كثير من الأحيان قائمًا على الاستجابة للحوادث بعد وقوعها؛ من خلال البيانات العلنية أو الاجتماعات مع أصحاب المصلحة. وكانت هذه المناصرة تهدف إلى تحدي الواقع القائم والمطالبة بالمحاسبة والإصلاح، ورغم أهمية هذا العمل، إلا أنه مع الوقت أصبح واضحًا أن التغيير الحقيقي والمستدام يتطلب استراتيجية طويلة الأمد، قادرة على معالجة الأسباب الجذرية للتعذيب.

وهنا جاءت أهمية التدريب بالنسبة لي، إذ منحني إطارًا عمليًا للانتقال من مناصرة ردّ الفعل إلى مقاربة استراتيجية مبنية على التحليل والأدلة، وتستهدف جذور المشكلة بشكل أعمق، وتعزز مسارات الإصلاح والمساءلة في لبنان.

أيمن: ما هو الأثر المباشر للتدريب على تطوير الحملة؟ وهل يمكنكِ ربط ما تعلمتِه بالحملة بشكل عملي؟

سارة: من خلال المنهجية التي تعلمناها في التدريب، أصبح بإمكاننا التفكير بطريقة أكثر نقدية ومنهجية في الأسباب الجذرية التي تساهم في استمرار ممارسات التعذيب في لبنان.

هذا المسار من التحليل والعصف الذهني ساعدنا على تحديد هدفٍ واضح للحملة، وهو: تحقيق خفض بنسبة 30٪ في حالات التعذيب داخل السجون بحلول عام 2030.

وبما أن هذا الهدف طموح ويتطلب عملًا طويل الأمد، قمنا بتطوير استراتيجية لخمس سنوات تتضمن أهدافًا مرحلية وتكتيكات مدروسة تساعدنا على التقدم بشكل تدريجي نحو هذا الهدف.

جزء أساسي من هذا العمل كان رسم خريطة للمنظومة الأوسع المرتبطة بالقضية، بما في ذلك تحديد الحلفاء الأساسيين، والجهات المعارضة، وأصحاب المصلحة الذين يجب إعطاؤهم أولوية، إضافة إلى المؤسسات التي يمكن التأثير عليها أو التعاون معها، ونوع الدعم المطلوب خلال مسار الحملة.

كما أخذنا بعين الاعتبار السياق السياسي والأمني غير المستقر في لبنان، حيث إن فرص المناصرة قد تنفتح أو تُغلق بسرعة، مما يجعل التوقيت عنصرًا حاسمًا، وبالتالي يصبح وجود استراتيجية واضحة أمرًا ضروريًا لتحقيق أي تقدم فعلي.

وفي هذه المرحلة، ركزنا على أربع تكتيكات رئيسية تستهدف أربع مجموعات مختلفة، بهدف دعم تحقيق هدف الحملة:

  • أولًا، العمل مع أصحاب القرار، خصوصًا وزارة العدل في لبنان، لمناقشة تطبيق القانون رقم 65 لعام 2017 المتعلق بمعاقبة التعذيب، ودراسة إمكانية تعديله لتعزيز الحماية وسد الثغرات القانونية القائمة.
  • ثانيًا، التواصل مع فريق العمل المعني بمناهضة التعذيب، لمشاركة الاستراتيجية معهم، واستكشاف إمكانية دعمهم وتعزيز جهود المناصرة على مستوى الدولة.
  • ثالثًا، إعادة إحياء تدريبات حقوق الإنسان التي كانت تُنظم سابقًا بشكل متقطع مع أمن الدولة، خاصة أن بعض الضباط الذين شاركوا في تلك التدريبات سابقًا طلبوا استئنافها بشكل رسمي، وأكدوا أنها ساهمت في تغيير فهمهم لمفاهيم حقوق الإنسان وتطوير ممارساتهم المهنية، شددت أيضًا على وجود فجوةٍ واضحة بين الضباط الذين تلقّوا هذا التدريب سابقًا والعناصر الجديدة، حيث إن عددًا كبيرًا من العناصر الجدد لم يتلقّوا أي تدريب على أساليب الاستجواب غير العنيفة أو على المعايير الأساسية لحقوق الإنسان.
  • وانطلاقًا من ذلك، لم تكن خطتنا تقتصر على متابعة هذه التدريبات كجزءٍ من العمل المستمر مع أمن الدولة، بل توسعت لتشمل أيضًا تكرار هذا النموذج مع مؤسسات أخرى، مثل الأمن العام والجيش اللبناني، بهدف أوسع يتمثل في تعزيز ثقافة حقوق الإنسان داخل جميع المؤسسات الأمنية، وتشجيع اعتماد بدائل عن ممارسات الاستجواب العنيفة.

أيمن: هذا يوضح حجم العمل والتكتيكات المستخدمة. وبالطبع هذا النوع من العمل يتطلب تنسيقًا وجهدًا كبيرين. وهنا يبرز سؤال مهم: ما هو دور برنامج التكتيكات الجديدة وفريقه في دعم هذا المسار، سواء في تطوير الحملة أو في تنفيذ هذه التكتيكات؟

سارة: كان هناك دورٌ مهم ومتابعةٌ مستمرة من فريق برنامج التكتيكات الجديدة، وأود أن أشرح أولًا لماذا ركّزنا على قضية التعذيب تحديدًا، رغم أننا نعمل على قضايا متعددة.

فالمركز الذي أنتمي إليه تأسس أساسًا للعمل على قضيتي الإخفاء القسري والتعذيب، خاصةً فيما يتعلق بالضحايا الذين تعرضوا لهذه الانتهاكات على يد الأجهزة السورية في لبنان أو في سوريا خلال فترة الحرب. وفي تلك المرحلة، كان هذا العمل بالغ الخطورة، لدرجة أن جزءًا كبيرًا من التوثيق والمناصرة كان يتم من خارج لبنان، وتحديدًا من فرنسا، لأن القيام بهذا العمل بشكل علني داخل لبنان كان قد يعرّض العاملين أو المعنيين للخطر نفسه، بما في ذلك التعذيب أو الإخفاء القسري أو حتى الموت.

ومع مرور الوقت، ساهم هذا العمل في تحقيق نتائج ملموسة، من بينها عودة بعض الأشخاص الذين كانوا مخفيين قسرًا. ولكن مع هذه العودة، ظهرت حقيقة مؤلمة جدًا، وهي الأثر العميق والصدمات الكبيرة التي يتركها التعذيب على الناجين.

فالكثير من العائدين كانوا يعانون من صدمات نفسية شديدة، وصعوبات في الاندماج من جديد في المجتمع، وإعادة بناء علاقاتهم مع عائلاتهم ومحيطهم، واستعادة حياتهم التي تغيّرت بشكل جذري ولم تعد كما كانت قبل التجربة.

وقد بيّنت هذه التجربة بوضوح أن التعذيب لا ينتهي بانتهاء الاحتجاز، بل إن آثاره أعمق بكثير، وترافق الشخص طوال حياته، وتمتد لتؤثر ليس فقط على الناجين، بل على عائلاتهم ومجتمعاتهم أيضًا.

وللأسف، فإن نفس الثقافة والأنظمة التي سمحت بتعذيب وإخفاء آلاف الأشخاص في لبنان وسوريا ما زالت مستمرة بأشكال مختلفة حتى اليوم. والجروح الجماعية الناتجة عن هذه الانتهاكات لم تُشفَ بشكل كامل بعد، كما أن المجتمع لم يواجه بشكلٍ جدي ما حدث، ولم يعمل بما يكفي على فهم تداعياته أو كيفية المضي قدمًا بشكل عادل.

وهذا هو جوهر عملنا وسبب وجودنا.

أما فيما يتعلق بدور برنامج التكتيكات الجديدة والفريق، فقد كان دورًا محوريًا. فمؤسستنا تعمل دائمًا بشكل وثيق مع ضحايا الانتهاكات وعائلاتهم، خاصة من خلال مركز إعادة التأهيل الخاص بضحايا التعذيب وغيره من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان.

وبالإضافة إلى العمل المباشر، كنا ننخرط باستمرار في جهود مناصرة متعددة، تشمل الطاولات المستديرة، والاجتماعات الفردية، والحملات، والحوار مع مؤسسات الدولة، بهدف فهم الأسباب الجذرية للمشكلة بشكل أفضل.

لكن هذا العمل، رغم أهميته، كان يفتقر لفترة طويلة إلى إطارٍ استراتيجيٍ جامع، إذ كنا نعمل على عدة جبهات في الوقت نفسه، دون خطة طويلة الأمد واضحة.

وهنا جاء دور الفريق، حيث ساعدنا على الانتقال من عملٍ قائم على الأنشطة المتفرقة إلى عملٍ قائم على استراتيجية واضحة ومتكاملة. فقد ساعدنا في تحديد هدفٍ طويل الأمد أكثر وضوحًا، وصياغة نتائج قابلة للقياس، وتطوير تكتيكات عملية تساعدنا على الوصول إلى هذا الهدف خطوةً خطوة.

والأهم من ذلك، أن فريقكم كان حاضرًا بشكلٍ مستمر في جميع مراحل تطوير هذه الاستراتيجية، وكان هناك متابعةٌ منتظمة ودعمٌ ساعدنا على تحويل الأفكار إلى خطة عمل قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.

طبعًا، كان الفريق حاضرًا معنا بشكلٍ مستمر طوال هذه المرحلة. فقد كان يقدّم لنا المشورة، ويتحدى افتراضاتنا، ويساعدنا على تطوير التكتيكات المختلفة، ويتأكد من أن الخطة التي نعمل عليها متماسكة وفعّالة قدر الإمكان.

هذا الدعم كان أساسيًا في مساعدتنا على الانتقال من مجرد تطوير الأفكار أو تنفيذ الأنشطة المتفرقة إلى بناء قدرة حقيقية على العمل بطريقة أكثر استراتيجية وتنظيمًا وعلى المدى الطويل.

أيمن: وأنتِ تتحدثين قبل قليل أشرتِ إلى بعض التحديات، ومنها أن جزءًا من العمل في بداياته كان يُنفذ من خارج لبنان حفاظًا على سلامة العاملين والمعنيين بالقضية. فهل يمكن أن تسلطي الضوء على أبرز التحديات التي واجهتكم خلال تنفيذ الحملة؟

سارة: وكما هو الحال في أي حملة مناصرة، واجهنا عددًا من التحديات، وكان أبرزها مرتبطًا بالوضع الأمني في لبنان.

في بعض الأحيان اضطررنا إلى تأجيل اجتماعات كانت مقررة مسبقًا، أو الانتظار قبل تنفيذ بعض التكتيكات، لأن التوقيت يلعب دورًا أساسيًا في نجاح أي جهد من جهود المناصرة. ففي كثير من الأحيان قد يكون التكتيك مناسبًا وفعّالًا، ولكن إذا نُفِّذ في توقيت غير ملائم فلن يحقق النتائج المرجوة.

كما أن الحرب الحالية على لبنان جعلت من الصعب جدًا تسليط الضوء على ملفات أخرى، في ظل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وجرائم الحرب المحتملة التي تشهدها البلاد. ومع ذلك، ما زلنا نحاول إبقاء هذا الملف حاضرًا، والاستمرار في العمل على ما نستطيع إنجازه ضمن الظروف المتاحة.

أيمن: يعطيكم ألف عافية على هذا الجهد الكبير. ومن الواضح أن العمل ما زال مستمرًا، لكن هل يمكن أن تحدثينا عن أبرز الإنجازات والنتائج التي حققتها الحملة حتى الآن؟ وهل تشعرون بأنها أحدثت أثرًا حقيقيًا في حماية الأشخاص من التعذيب أو في الحد من هذه الممارسات مستقبلًا؟

سارة: نعم، حققنا عددًا من النتائج المهمة خلال الفترة الماضية. فمن خلال سلسلة من الاجتماعات مع وزارة العدل اللبنانية، تمكنا من الوصول إلى تفاهم مع الوزير بشأن الحاجة الملحّة إلى إصلاح وتعديل القانون رقم 65 المتعلق بالتعذيب.

واتفقنا على العمل بشكلٍ مشترك في هذا المسار، ومنذ ذلك الحين عقدنا عدة اجتماعات لمناقشة الثغرات الموجودة في الإطار القانوني الحالي، والجوانب التي تحتاج إلى مواءمة أكبر مع المعايير الدولية ذات الصلة.

وكجزء من هذا الجهد، قمنا بإعداد وثيقةٍ تفصيلية تتضمن التعديلات المقترحة من قبل المركز، وشاركناها مع فريق الوزير لدعم عملية الصياغة والمراجعة القانونية.

ويُعد هذا التطور محطةً مهمة في مسار الحملة، ومؤشرًا إيجابيًا على وجود إرادة للنقاش والعمل على تعزيز الإطار القانوني المتعلق بمناهضة التعذيب في لبنان. كما أنه يمثل خطوةً عملية نحو تحسين الحماية القانونية وتعزيز المساءلة عن هذه الانتهاكات.

ويُعد هذا التطور مؤشرًا مهمًا على فعالية هذا التكتيك في المناصرة، حتى وإن كان التقدم يتحقق بوتيرةٍ أبطأ مما نأمل بسبب الحرب المستمرة وتحول الأولويات الوطنية في المرحلة الحالية.

وهناك خطوةٌ أخرى أود الحديث عنها، لأنها كانت مهمة جدًا ضمن الاستراتيجية، وهي بناء علاقاتٍ مؤسسية مع كلٍّ من قيادة الجيش اللبناني والأمن العام.

فقد أبدت هاتان المؤسستان استعدادًا للتعاون معنا في مجال بناء القدرات، بما يشمل تدريب وحداتٍ محددة داخلهما على تقنيات الاستجواب غير العنيفة والمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان.

وتسمح لنا هذه المبادرة بتوسيع وتكرار النموذج الذي سبق أن طبقناه بنجاح مع أمن الدولة، وبالتالي توسيع نطاق الممارسات المرتكزة على احترام حقوق الإنسان لتشمل مؤسساتٍ أمنيةً إضافية.

وتكتسب هذه الخطوة أهميةً خاصة لأنها تتجاوز إطار المناصرة الخارجية، وتدخل مباشرةً في مجال التغيير المؤسسي. فمن خلال العمل المباشر مع المسؤولين عن التوقيفات والتحقيقات، نكون في تواصل مع الجهات الأولى التي تتعامل مع الأشخاص المحتجزين، أي الجهات الموجودة في الخط الأمامي للتعامل مع الانتهاكات المرتبطة بالاحتجاز.

إن التأثير في الممارسات على هذا المستوى يفتح المجال لإحداث تغييرٍ حقيقي من داخل المؤسسات نفسها، وهو عنصرٌ أساسي لتحقيق إصلاحاتٍ أكثر استدامةً ومنهجيةً على المدى الطويل.

أيمن: لقد تحدثنا عن التحديات، وتناولنا الإنجازات والنتائج التي تحققت حتى الآن. ومن الواضح أنكم تبذلون جهودًا كبيرة وما زال أمامكم الكثير من العمل.

لكن بالنظر إلى المستقبل، هل لديكم رؤية واضحة للمرحلة المقبلة؟ فاليوم أصبح لدينا فهمٌ أفضل للتحديات التي تسهم في استمرار هذه الانتهاكات، كما أنكم تعملون على تطوير أدوات وأساليب لمعالجتها. فكيف ترين مستقبل الحملة؟ وما هي الأولويات التي تسعون إلى تحقيقها خلال السنوات القادمة؟

سارة: عندما نتحدث عن الرؤية المستقبلية، لا بد أن ننطلق أولًا من رسالة المركز. فمهمتنا تتمثل في الدفاع عن تطبيق حقوق الإنسان للجميع، وإدانة انتهاكات حقوق الإنسان، وتعزيز قدرات الأفراد والمؤسسات، ومكافحة الإفلات من العقاب، وتقديم الخدمات القانونية وإعادة التأهيل، بغض النظر عن هوية الضحية أو الجهة التي ارتكبت الجريمة أو الانتهاك.

وهذه المهمة ليست مجرد شعار، بل هي الإطار الذي يحدد أولويات عملنا اليومي، ويوجه كيفية تحديد مجالات التدخل، وآليات العمل مع مختلف الأطراف، وطريقة تطوير استجابات طويلة الأمد لانتهاكات حقوق الإنسان.

وفي هذا السياق، فإن الهدف الذي وضعناه ضمن هذه الحملة يُعد ترجمةً مباشرةً لهذه الرسالة على أرض الواقع. فقد سعينا إلى تحويل المبادئ الأساسية التي نؤمن بها إلى أهدافٍ عمليةٍ وقابلةٍ للقياس، تستهدف معالجة أحد الانتهاكات الجوهرية وتعزيز المساءلة في لبنان.

ومن خلال هذا العمل، لا نقتصر على التعامل مع حالاتٍ فردية فحسب، بل نساهم أيضًا في الدفع نحو إصلاحاتٍ أوسع على مستوى المؤسسات والتشريعات، بما يساعد على منع تكرار هذه الانتهاكات في المستقبل.

وبالتالي، فإن حملة “ارفع صوتك ضد التعذيب” تمثل امتدادًا طبيعيًا لرسالتنا، وتعزز التزامنا بحماية أصحاب الحقوق، وتقوية المساءلة، ووضع مكافحة الإفلات من العقاب في صميم عملنا.

أيمن: شكرًا لكِ، سارة. وخلال حديثنا اليوم برزت أهمية العمل التشاركي والتعاون بين المؤسسات المختلفة. ومن الواضح أن هذا النوع من الحملات لا يمكن أن ينجح بجهود جهةٍ واحدة فقط.

فهل يمكن أن تحدثينا أكثر عن أهمية التشبيك والتعاون بين مؤسسات المجتمع المدني في مجال مناهضة التعذيب؟

بالتأكيد.

سارة: هناك مقولة شائعة في لبنان تقول: “يدٌ واحدةٌ لا تصفق”، وهي مقولة تنطبق تمامًا على العمل الحقوقي.

منذ بداية الحملة، حرصت قدر الإمكان على التفكير في الجهات التي يمكن أن نتعاون معها، لأن الشراكات عنصرٌ أساسي في أي حملة مناصرة. فكلما استطعنا توسيع دائرة المشاركين والداعمين، ازدادت قدرتنا على إيصال الرسالة إلى عددٍ أكبر من الناس، وإلى الجهات القادرة على إحداث التغيير.

لذلك سعينا إلى تحديد المؤسسات والمنظمات والأشخاص المهتمين بهذا الملف، سواء على مستوى مؤسسات المجتمع المدني أو على مستوى صناع القرار، والعمل معهم من أجل توحيد الجهود وتعزيز التأثير.

فوجود شركاء إلى جانبنا لا يساهم فقط في رفع الصوت، بل يساعد أيضًا على تجنب تكرار الجهود، واستثمار الموارد والطاقات بطريقةٍ أكثر فعالية.

كما أن لكل مؤسسة خبراتها وقدراتها الخاصة، وقد تمتلك مؤسسة ما مهارات أو موارد يمكن أن تسد فجوةً لدى مؤسسة أخرى، والعكس صحيح. وهذا النوع من التكامل يساهم في بناء مؤسسات أقوى وحملات أكثر تأثيرًا.

وأعتقد أن أي شخص يعمل على حملة مناصرة يجب أن يفكر منذ البداية في بناء الشراكات، لأنها تضاعف فرص النجاح وتفتح المجال أمام أفكارٍ وحلولٍ جديدة قد لا تظهر عند العمل بشكلٍ منفرد.

أيمن: صحيح، وهذا أمرٌ مهم للغاية.

فالتنسيق بين المؤسسات لا يختصر الوقت والجهد فحسب، بل يساعد أيضًا على توحيد الرسائل وتعزيز الأثر الجماعي.

وفي ختام هذه الحلقة، أود أن أترك لكِ المجال لتوجيه رسالة أخيرة إلى المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان في المنطقة.

سارة: شكرًا لك، أيمن.

أود أولًا أن أتوجه بالتحية والتقدير إلى جميع المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، وإلى كل شخص يواصل الدفاع عن كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.

كما أود أن أشكر كل من يعمل على إيصال أصوات الأشخاص الذين لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم، أو الذين حُرموا من فرصة الدفاع عن حقوقهم.

رسالتي لهم هي أن يستمروا في هذا العمل رغم التحديات. فالتغيير قد يكون بطيئًا أحيانًا، لكنه ممكن، وكل جهد يُبذل من أجل العدالة والكرامة الإنسانية يصنع فرقًا حقيقيًا.

واعلموا أنكم لستم وحدكم، وأن أصواتكم مهمة، وأن صوت الحق يجب أن يبقى حاضرًا ومسموعًا مهما كانت الظروف.

أيمن: شكرًا لكِ، سارة، على وقتكِ وعلى هذه المشاركة القيّمة.

وفي الختام، نشكر الناشطة سارة نصر الله على مشاركتها الغنية في هذه الحلقة من بودكاست “دردشة عن حقوق الإنسان”، وعلى ما قدمته من رؤى وتجارب حول حملة “ارفع صوتك ضد التعذيب”، ودور المناصرة الاستراتيجية في مواجهة الانتهاكات وتعزيز المساءلة.

كان معكم أيمن ملحيس من برنامج التكتيكات الجديدة في حقوق الإنسان.

إلى لقاءٍ قريبٍ في حلقةٍ جديدةٍ من بودكاست «دردشة عن حقوق الإنسان».

بودكاست ذات صلة