أسواق الكربون: حلّ مناخي أم عبء جديد على حقوق الإنسان؟

Overview

يناير 27, 2026

النقاط الرئيسية

  • أسواق الكربون تربط التلوث بالكلفة، كلما زادت الانبعاثات التي تنتجها الشركات والمصانع، زادت الكلفة التي تتحملها.
  • الهدف هو تقليل الانبعاثات وليس جمع الأموال فقط، تسعى هذه الأسواق إلى تشجيع التحول نحو طاقة أنظف وتقنيات أقل ضررًا بالبيئة.
  • يمكن أن تكون أداة فعّالة إذا طُبّقت بعدالة وشفافية، نجاح أسواق الكربون يعتمد على القوانين الواضحة، والرقابة، وحماية حقوق المجتمعات المتأثرة.
المشاركة المدنية , النشاط المناخي

لم تعد أزمة المناخ مسألة مستقبلية أو بيئية فقط، بل واقع يومي ينعكس على الغذاء، والمياه، والصحة، والسكن، وسبل العيش. في قلب هذا النقاش العالمي، برزت أسواق الكربون كأحد أكثر الأدوات استخدامًا للحد من الانبعاثات، وأكثرها إثارة للجدل في الوقت نفسه.

ما هي أسواق الكربون وكيف بدأت؟

أسواق الكربون تقوم على فكرة بسيطة ظاهريًا: الشركات والمصانع التي تلوّث أكثر، تدفع أكثر. يتم ذلك عبر تحويل انبعاثات الكربون إلى “وحدات” قابلة للبيع والشراء، تُعرف عادة بـ “أرصدة الكربون”. كل رصيد يمثل طنًا واحدًا من ثاني أكسيد الكربون تم منعه أو امتصاصه من الغلاف الجوي. هذه الآلية تهدف إلى تشجيع الدول والشركات على تقليل انبعاثاتها، أو الاستثمار في مشاريع تقلل التلوث في أماكن أخرى.

بدأت هذه الفكرة بالظهور على المستوى الدولي في أواخر التسعينيات، خاصة بعد اعتماد بروتوكول كيوتو عام 1997، الذي فتح الباب أمام استخدام آليات سوقية لمواجهة تغيّر المناخ. لاحقًا، توسعت الفكرة ضمن اتفاق باريس للمناخ عام 2015، الذي فتح الباب أمام آليات سوقية جديدة وأكثر تعقيدًا، ومنذ ذلك الحين، توسّعت هذه الأسواق وأصبحت جزءًا من السياسات المناخية في عدد متزايد من الدول.

هناك نوعان رئيسيان من أسواق الكربون:

  • أولًا: الأسواق الإلزامية
    في هذا النوع، تضع الحكومات قوانين تُلزم الشركات والقطاعات الكبرى، مثل المصانع، شركات الطاقة، أو الطيران بعدم تجاوز حد معيّن من انبعاثات الكربون. يُعرف هذا النظام غالبًا باسم “سقف وتجارة” (Cap-and-Trade). إذا تجاوزت الشركة الحد المسموح لها، يجب عليها شراء أرصدة كربون من جهة أخرى خفّضت انبعاثاتها أو لم تستخدم كامل حصتها.
  • ثانيًا: الأسواق الطوعية
    في هذه الأسواق، لا توجد قوانين تُجبر الشركات أو الأفراد على المشاركة. بل يختارون طوعًا شراء أرصدة كربون لتعويض الانبعاثات الناتجة عن أنشطتهم، مثل السفر الجوي أو الإنتاج الصناعي. تُستخدم هذه الأموال عادةً لدعم مشاريع بيئية، مثل زراعة الأشجار، مشاريع الطاقة المتجددة، أو حماية الغابات.

هل أسواق الكربون حل فعّال؟

في بعض السياقات، ساهمت أسواق الكربون في تقليل الانبعاثات، وجذبت تمويلًا لمشاريع بيئية مهمّة، وفتحت المجال أمام الابتكار في مجالات الطاقة النظيفة. لكن في المقابل، أظهرت التجارب أن هذه الأسواق ليست حلًا سحريًا.

ففي كثير من الحالات، استُخدمت أرصدة الكربون كوسيلة لتأجيل التغيير الحقيقي في أنماط الإنتاج والاستهلاك، بدلًا من تقليل التلوّث من جذوره. كما أن غياب الشفافية والمساءلة في بعض المشاريع أثار تساؤلات جدّية حول فعاليتها وعدالتها.

من يدفع الثمن الحقيقي؟

في كثير من الحالات، تتحمّل الدول النامية والمجتمعات الأكثر هشاشة الكلفة الأكبر لأسواق الكربون، رغم كونها الأقل مساهمة في التلوث العالمي. حين تبيع هذه الدول أرصدة الكربون أو تستضيف مشاريع تعويض الانبعاثات، يكون العائد المالي غالبًا محدودًا ومؤقتًا، ولا يعكس حجم الأضرار طويلة الأمد التي تواجهها. فمشاريع إعادة التشجير أو تعويض الكربون قد تستهلك مساحات واسعة من الأراضي أو كميات كبيرة من المياه، ما يؤدي إلى تفاقم نقص المياه، الجفاف، تدهور التربة، وتراجع الأمن الغذائي، خاصة في مناطق تعاني أصلًا من آثار تغيّر المناخ.

في هذا السياق، يصبح السؤال حول “الربح/المكسب” مضللًا. العائد المالي من بيع أرصدة الكربون لا يغطي الخسائر المرتبطة بتراجع الموارد الطبيعية، ولا يعوّض المجتمعات عن فقدان مصادر رزقها أو عن المخاطر المستقبلية المتزايدة. الأسوأ أن هذه الصفقات قد تقيّد قدرة الدول على استخدام أراضيها ومواردها بشكل سيادي، في مقابل فوائد اقتصادية قصيرة الأجل، بينما تستمر الدول والشركات الكبرى في الشمال العالمي في أنماط إنتاج واستهلاك عالية الانبعاثات.

أين تقف حقوق الإنسان في كل هذا؟

تغيّر المناخ ليس قضية بيئية فقط، بل قضية مرتبطة بحقوق الإنسان مثل الحق في المياه، الغذاء، الصحة، السكن، وسبل العيش. عندما تُصمَّم سياسات المناخ دون إشراك المجتمعات المتأثرة، أو دون ضمان العدالة في توزيع الأعباء والمكاسب، تتحوّل الحلول المناخية نفسها إلى مصدر لانتهاكات حقوقية.

من هذا المنطلق، لا يمكن فصل النقاش حول أسواق الكربون عن العدالة المناخية، ولا عن مسؤولية حماية الفئات الأكثر تضررًا من آثار تغيّر المناخ.

دورنا ودور منظمات المجتمع المدني

هنا يبرز دور منظمات المجتمع المدني، والنشطاء، والإعلاميين، والباحثين، في مراقبة سياسات أسواق الكربون، وتوثيق آثارها على الأرض، والدفاع عن حقوق المجتمعات المتأثرة. كما يمكن لهذه الجهات تطوير تكتيكات عملية تربط بين القضايا المناخية وحقوق الإنسان، وتبسيط المفاهيم المعقّدة حتى تصل الى الجميع ليكونوا جزء من عملية التغيير. حيث أن المعرفة، والمشاركة، وبناء التحالفات، والمساءلة، كلها عناصر أساسية لضمان أن تكون الحلول المناخية عادلة، شفافة، ولا تُبنى على حساب الفئات الأضعف.

أسواق الكربون ليست أداة محايدة، بل سياسة لها تبعات عميقة على البشر والبيئة. التعامل معها يتطلّب فهمًا للسياق، واستعدادًا للعمل الجماعي من أجل تطوير بدائل وتكتيكات تضع الإنسان في قلب العمل المناخي.

إذا كانت السياسات المناخية تؤثّر على المياه التي نشربها، والأراضي التي نعيش منها وفيها، ومستقبل المجتمعات الأكثر هشاشة، فإن المشاركة في هذا النقاش لم يعد خيارًا، بل مسؤولية مشتركة. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا أمامنا جميعًا هو:
ما الدور الذي يمكن أن نلعبه لضمان أن تكون الاستجابة لأزمة المناخ عادلة بقدر ما هي ضرورية؟

وجهات نظر ذات صلة