حين يبدأ يومنا بالإشعارات: كيف أصبحت ثقافة الانشغال تهدد تركيزنا وصحتنا النفسية؟

Overview

أغسطس 31, 2026

النقاط الرئيسية

  • الإشعارات والمقاطعات المستمرة لا تستهلك وقتنا فقط، بل تؤثر أيضًا في قدرتنا على التركيز والتفكير والعمل بفعالية.
  • قد يمتلئ اليوم بالمهام دون أن يترك مساحة كافية للعمل العميق والتفكير الهادف.
  • الاهتمام بأنفسنا ليس منفصلًا عن رسالتنا، بل هو شرط أساسي للاستمرار في دعم الآخرين والدفاع عن حقوقهم.
الأمن والسلامة النفسية

في كل صباح، وقبل أن أغادر سريري، تمتد يدي تلقائيًا إلى الهاتف. لم يعد ذلك بدافع معرفة الوقت أو إيقاف المنبه، بل بدافع الاطلاع على كل ما حدث خلال نومي. رسائل من زملاء العمل، وبريد إلكتروني جديد، وتنبيهات من تطبيقات مختلفة، وأخبار عاجلة تتزاحم جميعها على شاشة صغيرة لا يستغرق النظر إليها سوى دقائق معدودة.

ومع انقضاء تلك الدقائق، ينتابني شعور بأن يومي قد بدأ قبل أن أمنح نفسي فرصة حقيقية للاستيقاظ. تتوالى الأفكار في ذهني، وتتزاحم المهام التي ينبغي إنجازها، وأجد نفسي أخطط لاجتماعات، وأصوغ ردودًا لرسائل لم أفتحها بعد، وأسترجع أعمالًا لم أُنجزها بالأمس. في تلك اللحظة، أدرك أنني لم أبدأ يومي باختيار ما أريد أن أفعله، بل بدأت بالاستجابة لما فرضته عليّ الإشعارات.

ولفترة طويلة، اعتقدت أن هذا المشهد لا يستحق التوقف عنده، فهو جزء من الحياة المعاصرة التي نعيشها جميعًا. غير أنني، مع مرور الوقت، بدأت أتساءل: هل يعود هذا الشعور الدائم بالانشغال إلى كثرة الأعمال فعلًا، أم أننا أصبحنا نعيش في ثقافة تجعل الانشغال حالة ذهنية مستمرة، حتى قبل أن يبدأ يومنا؟

من يحدد كيف يبدأ يومنا؟

لقد غيّرت التكنولوجيا كثيرًا من تفاصيل حياتنا، ويسّرت التواصل والوصول إلى المعلومات بصورة لم تكن ممكنة من قبل. غير أن هذه المزايا جاءت مصحوبة بتحدٍ جديد، يتمثل في أن انتباهنا أصبح موردًا تتنافس عليه عشرات التطبيقات والمنصات والرسائل في كل لحظة.

ولم يعد التحدي الحقيقي هو إدارة الوقت فحسب، بل أصبح يتمثل أيضًا في حماية قدرتنا على التركيز. فكل مقاطعة، مهما بدت بسيطة، تقتطع جزءًا من انتباهنا، وتجعل العودة إلى المهمة الأساسية أكثر صعوبة. وتشير أبحاث أجرتها الباحثة غلوريا مارك في جامعة كاليفورنيا، إيرفاين، إلى أن المقاطعات المتكررة قد تتطلب وقتًا طويلًا نسبيًا حتى يستعيد الدماغ تركيزه الكامل، وهو ما يفسر شعور كثيرين بأن يوم العمل ينتهي قبل أن يتمكنوا من إنجاز أهم مهامهم.

ومع مرور الوقت، لا يعود الإرهاق ناتجًا عن حجم العمل وحده، بل عن الانتقال المستمر بين المهام، والتنقل المتكرر بين الرسائل والاجتماعات والتنبيهات، حتى يصبح العقل منشغلًا بإدارة المقاطعات أكثر من انشغاله بالعمل نفسه.

كيف أصبحت ثقافة الانشغال جزءًا من حياتنا؟

إذا سأل أحدنا اليوم صديقًا أو زميلًا عن حاله، فغالبًا ما ستكون الإجابة: “أنا مشغول”. تكررت هذه العبارة إلى الحد الذي جعلها تبدو وصفًا طبيعيًا للحياة، بل ربما تحولت، دون أن نشعر، إلى مقياس غير معلن للنجاح والالتزام.

غير أن الانشغال ليس مرادفًا للإنتاجية.

فقد يمضي يوم كامل في الرد على الرسائل، وحضور الاجتماعات، ومتابعة البريد الإلكتروني، دون أن نقترب خطوة واحدة من الهدف الذي بدأنا يومنا من أجله. ولا يعود السبب إلى قلة الجهد، بل إلى تشتت الانتباه بين عشرات المهام الصغيرة التي تستنزف طاقتنا الذهنية، وتحرمنا من الوقت الذي يحتاجه التفكير العميق والعمل المتقن.

وقد أشارت دراسات في علم النفس إلى أن ما يُعرف بتعدد المهام لا يعني أن الدماغ يؤدي أكثر من عمل في الوقت ذاته، وإنما ينتقل بسرعة بين المهام المختلفة، وهو انتقال يفرض عبئًا معرفيًا إضافيًا ويؤثر في جودة الأداء والتركيز.

في العمل الحقوقي، تصبح حماية الصحة النفسية جزءًا من حماية الرسالة

تزداد أهمية هذه القضية في العمل الحقوقي والإنساني، حيث لا يقتصر الضغط على كثرة المهام، بل يمتد إلى طبيعة القضايا نفسها. فالعاملون في هذا المجال يتعاملون مع انتهاكات، وشهادات مؤلمة، وأزمات متلاحقة، ويشعرون في كثير من الأحيان بأن هناك دائمًا ما يوجب الاستجابة الفورية.

ومع تراكم هذه الضغوطات، قد يصبح تجاهل الإرهاق عادة، وقد يُنظر إلى أخذ استراحة على أنه تقصير في أداء الواجب. غير أن هذا التصور يحمل مفارقة واضحة؛ إذ إن العمل الهادف إلى حماية كرامة الإنسان لا يمكن أن يستمر إذا كان القائمون عليه يفقدون تدريجيًا قدرتهم على التركيز، أو التعاطف، أو اتخاذ قرارات متزنة.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الصحة النفسية في بيئة العمل ليست قضية فردية أو ترفًا شخصيًا، بل عنصر أساسي في بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار والإنتاج، وأن توفير بيئات عمل تراعي الصحة النفسية يسهم في تحسين الأداء والحد من الضغوط والاحتراق النفسي.

ولعل هذه الفكرة تكتسب أهمية خاصة في المؤسسات الحقوقية، حيث يعتمد نجاح العمل في كثير من الأحيان على جودة الإصغاء، ودقة التحليل، والقدرة على التفكير الاستراتيجي، وهي جميعها مهارات يصعب الحفاظ عليها في ظل إرهاق مستمر.

الاستدامة تبدأ من الاعتناء بالنفس

قد لا يكون بإمكاننا تقليل عدد الرسائل التي تصل إلى هواتفنا، أو إيقاف تدفق الأخبار، أو تغيير طبيعة العالم الذي أصبح أكثر اتصالًا من أي وقت مضى. لكننا نستطيع أن نعيد التفكير في الطريقة التي نستجيب بها لهذا الواقع.

وقد يبدأ ذلك بخطوات بسيطة، مثل منح أنفسنا بضع دقائق من الهدوء قبل تصفح الهاتف في الصباح، أو تخصيص فترات للعمل المتواصل بعيدًا عن الإشعارات، أو إدراك أن الاستراحة ليست انقطاعًا عن العمل، بل وسيلة للحفاظ على القدرة على الاستمرار فيه.

كما أن وضع حدود واضحة بين الحياة الشخصية والعمل، كلما كان ذلك ممكنًا، يساعد على حماية المساحة الذهنية التي يحتاجها الإنسان للتعافي واستعادة توازنه. والأهم من ذلك كله، أن نتذكر أن الاعتناء بالصحة النفسية ليس فعلًا أنانيًا، بل هو استثمار في قدرتنا على مواصلة العمل، واتخاذ قرارات أفضل، وتقديم دعم ذو جودة أكبر للآخرين.

لعل أول قرار نتخذه كل صباح هو الأكثر تأثيرًا

في صباح اليوم التالي، رنّ المنبه كما يفعل كل يوم. امتدت يدي نحو الهاتف، ثم توقفت للحظة. تركته على الطاولة، وفتحت النافذة، واستنشقت هواء الصباح قبل أن أسمح للإشعارات بأن تدخل إلى يومي.

لم تتغير الرسائل، ولم تقل الاجتماعات، ولم يصبح العالم أقل ازدحامًا.

لكن شيئًا واحدًا تغيّر.

أدركت أنني، وإن لم أكن أملك القدرة على التحكم في سرعة العالم، فإنني أملك القدرة على اختيار الكيفية التي أبدأ بها يومي، والطريقة التي أحمي بها انتباهي وصحتي النفسية.

وربما تبدأ استدامة العمل، في حقوق الإنسان كما في غيره من المجالات، من هذا الإدراك البسيط: أن العناية بمن يدافع عن الحقوق ليست أقل أهمية من الدفاع عن الحقوق نفسها، وأن الاهتمام بانفسنا هي الخطوة الأولى قبل الاهتمام بالاخرين.

وجهات نظر ذات صلة