في المناطق الخارجة من النزاع في العراق، خلّفت سنوات العنف والنزوح ووجود الجماعات المسلحة انقسامات اجتماعية حادة داخل المجتمعات المحلية. في كثير من المخيمات والقرى المحررة، تعيش عائلات ضحايا العنف إلى جانب عائلات أشخاص متهمين بالانتماء إلى جماعات متطرفة، ما يخلق توترات مستمرة وانعدامًا للثقة.
تتفاقم هذه الانقسامات مع انتشار ممارسات ضارّة بحق الفتيات، مثل تزويج القاصرات أو استخدام الزواج كوسيلة لتسوية النزاعات، بما في ذلك تبادل الفتيات، حيث تُعامَل الفتاة كأداة لحماية الذكور أو “إنهاء الخلاف”.
واجهت التدخلات التقليدية في مجال حقوق الإنسان، كالتدريبات وورش التوعية بحقوق النساء رفضًا أو عرقلة متكررة. فقد اعتُبرت هذه الأنشطة تدخّلًا خارجيًا، كما ارتبط خطاب حقوق النساء بوصم اجتماعي ومخاطر أمنية، مما حدّ من القدرة على مناقشة القضايا الحساسة بشكل مباشر وآمن.
مبادرة مجتمعية تأسست عام 2020 بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، وتعمل في محافظات عراقية متأثرة بالنزاع، منها كركوك، نينوى، ديالى، الأنبار، وصلاح الدين. تهدف المبادرة إلى تعزيز السلام والتماسك المجتمعي من خلال تمكين النساء والشباب وتنفيذ مبادرات تستجيب للاحتياجات المحلية. وتُعد الأدوات الإبداعية، بما فيها الفن، جزءًا أساسيًا من نهجها لمعالجة القضايا المجتمعية الحساسة بطرق آمنة وغير تصادمية.
التكتيك
يعتمد هذا التكتيك على المسرح الصامت كأداة إبداعية وغير تصادمية لفتح نقاش مجتمعي حول النزاع، والسلطة، وتأثير القرارات المجتمعية على حياة الفتيات.
بدلًا من استخدام لغة مباشرة قائمة على الحقوق، يقدم فنانون وفنانات من داخل المجتمع مشاهد قصيرة خالية من الحوار، تُجسّد مواقف يومية مألوفة، مثل سوء إدارة النزاعات، أو اتخاذ قرارات تضحّي بمصلحة الفتيات من أجل “السلام” المؤقت، أو اختلال موازين القوة داخل العائلة أو العشيرة.
غياب الكلام والرسائل المباشرة يتيح للجمهور تفسير المشاهد ذاتيًا، وربطها بتجاربه الخاصة، والتفكير الجماعي في بدائل ممكنة، دون الشعور بالاتهام أو الوصم.
تقوم فرق النساء والشباب للسلام بتشكيل فرق أداء محلية من متطوعين ومتطوعات من داخل المجتمع، مع إعطاء أولوية للأشخاص المقبولين اجتماعيًا والموثوقين محليًا. يتلقّى المشاركون تدريبًا على التعبير الجسدي، وأساسيات التمثيل، وبناء مشاهد مستوحاة من واقع النزاعات المجتمعية، بالاعتماد على الإبداع الجماعي بدلًا من النصوص الجاهزة. تُطوَّر هذه المشاهد لتعكس قضايا حساسة مثل تصعيد النزاعات نتيجة سوء إدارتها، أو اتخاذ قرارات تُقدَّم فيها مصلحة الذكور أو “السمعة” على سلامة الفتيات، أو اختلال علاقات القوة داخل الأسرة أو العشيرة، مع تجنّب تسمية ممارسات أو أطراف محددة، بما يتيح للجمهور إسقاط تجاربه الخاصة على ما يشاهده. وتُقدَّم العروض بوصفها فعاليات ثقافية أو مناسبات مجتمعية تُقام في أماكن مألوفة وسهلة الوصول، لا كجلسات تدريب أو توعية، ويعقبها تيسير نقاش غير مباشر يشجّع الحضور على التأمل الجماعي وربط المشاهد بحياتهم اليومية واستكشاف بدائل مختلفة للتعامل مع النزاعات دون تلقين أو فرض استنتاجات جاهزة.
النتائج
أسفر هذا التكتيك عن تحقيق مجموعة من النتائج الإيجابية على المستوى المجتمعي، إذ ساهم في رفع مستوى التفاعل والمشاركة مقارنة بالأنشطة التوعوية التقليدية، وفتح مساحات آمنة للنقاش حول النزاعات وتأثيرها على حياة الفتيات دون إثارة مقاومة أو حساسية مجتمعية. كما عزّز فهم أفراد المجتمع لديناميكيات النزاع والخيارات البديلة لحلّه، وشجّع مشاركة قادة مجتمعيين كانوا يتجنّبون سابقًا الانخراط في أنشطة ذات طابع حقوقي. إضافة إلى ذلك، أسهم التكتيك في بروز فرق أداء تقودها نساء، وزيادة تقبّل مشاركة النساء والفتيات في الفضاء العام، وتعزيز الثقة بالفن كأداة فعّالة لمعالجة القضايا المجتمعية الحساسة وبناء السلام على المستوى المحلي.
التحديات وكيفية التعامل معها
المخاطر الأمنية:
في بعض المناطق، قد تتطلب الأنشطة موافقات غير رسمية أو تواجه تعطيلًا.
كيفية التعامل: التنسيق عبر قادة محليين موثوقين، والدخول إلى المجتمعات بوصف المنظمين ضيوفًا مدعوين.
مقاومة مشاركة النساء:
قد يظهر رفض لدور النساء في الأداء أو التنظيم، خاصة في المراحل الأولى.
كيفية التعامل: البدء بفرق مختلطة أو يغلب عليها الرجال، ثم توسيع أدوار النساء تدريجيًا مع بناء الثقة.
اختيار المتطوعين:
قد يفتقر بعض المشاركين إلى الالتزام أو القبول الاجتماعي.
كيفية التعامل: وضع معايير واضحة للاختيار، وتوفير إرشاد مستمر، وإتاحة استبدال المشاركين عند الحاجة.
تُظهر هذه التجربة أن تغيير شكل التدخل ولغته قد يكون أكثر فاعلية من تغيير الرسائل نفسها، وأن الفن، وخصوصًا المسرح الصامت، يفتح مساحات آمنة لمناقشة قضايا شديدة الحساسية دون مواجهة أو وصم. كما تؤكد أن الملكية المحلية شرط أساسي للشرعية والأمان والاستدامة، وأن قيادة النساء يمكن أن تنمو حتى في السياقات المقيّدة عندما تُقدَّم بشكل تدريجي واستراتيجي.
التكتيكات الجديدة في حقوق الإنسان لا تناصر أو تؤيد تكتيكات أو سياسات أو قضايا محددة