لا تكبرونا، بعدنا صغار
لمحة عامة
«لا تكبرونا، بعدنا صغار» هي حملة مجتمعية لمناهضة تزويج الأطفال في منطقتي مجدل عنجر وشْتورا في سهل البقاع في لبنان. بدأت الحملة في أيلول 2019، عندما قررت منظمة «النساء الآن من أجل التنمية» الانتقال من أساليب التوعية والتدريب التقليدية إلى نهج التنظيم المجتمعي، وإتاحة المجال للأشخاص الأكثر تأثرا بتزويج الأطفال لقيادة الجهود الرامية إلى مواجهة تلك الظاهرة.
اعتمدت الحملة على بناء قيادة جماعية من داخل المجتمع، واستخدام العلاقات الشخصية والقصص المعيشية في الحشد، وتنظيم اجتماعات منزلية للوصول إلى الأُسر، ثم الاستماع إلى المجتمع (المخيمات) لتحديد الخطوة التالية. ومع تطور الحملة، انتقلت من الحصول على تعهدات برفض تزويج الأطفال إلى إشراك الرجال في جهود إلغاء الزيجات أو تأجيلها، ثم إلى إشراك الفتيات أنفسهن في القيادة، والعمل مع المحكمة الشرعية لمواجهة الممارسات غير المسجلة المرتبطة بتزويج القاصرات.
المشكلة
على الرغم من الجهود المستمرة لأكثر من خمس سنوات في المناصرة والتوعية والتدريب وبناء القدرات حول قضية تزويج الأطفال، استمرت حالات تزويج الفتيات السوريات واللبنانيات والفلسطينيات وبعض الفتيان، قبل بلوغ سن 18 عاما. وكان سهل البقاع من المناطق التي تنتشر فيها هذه الزيجات، ولا سيما بين اللاجئين السوريين، نتيجة عوامل متعددة شملت الحرب والأمن والحاجة الاقتصادية والتقاليد والأعراف الجندرية.
لاحظ فريق المدافعة في «النساء الآن» أن الفتيات والنساء اللواتي يعرفن مخاطر تزويج الأطفال كن يشاركن في الجلسات والبرامج، لكن المعرفة وحدها لم تكن كافية لإحداث التغيير. ومن هنا برزت الحاجة إلى نهج يتجاوز المحاضرات وورش العمل، ويضع الأشخاص المتأثرين مباشرة بالقضية في موقع القيادة.
بدلا من تصميم حملة كاملة نيابة عن المجتمع، قررت «النساء الآن» تجربة نهج التنظيم المجتمعي بالشراكة مع مؤسسة «أهل»، المتخصصة في هذا النهج ومرافقة الحملات المجتمعية.
كان التحول الأساسي هو أن النساء اللواتي كانت المنظمة تعمل على دعمهن أصبحن يقُدن بأنفسهن الجهود الرامية إلى معالجة المشكلة، وينظّمن أخريات وأفراداً من مجتمعهن حول القضية. وقدّمت «النساء الآن» أشكالاً مختلفة من الدعم التنظيمي واللوجستي والتدريب، فيما رافقت مؤسسة «أهل» القيادات والفرق في تعلّم وممارسة نهج التنظيم المجتمعي، وبناء القيادة والاستراتيجية على امتداد مراحل الحملة.
بناء قيادة مجتمعية
بدأ الفريق بتحديد الأشخاص الأكثر ارتباطا بالقضية وبالمجتمع المحلي. تواصل فريق الجمعية في البداية مع سبع نساء، وانضمت ثلاث منهن إلى الفريق المؤسس: فاطمة العتر، وصفاء سلات، وراما الصوص، وجميعهن من النساء المتأثرات بتزويج الأطفال.
وسّعت المجموعة مفهوم «أهل القضية» ليشمل النساء والفتيات اللواتي تعرضن لتزويج الأطفال، والفتيات والأهل الذين قاوموا هذا النوع من الزواج، والأشخاص الذين وُلدوا لأب أو أم تزوجا وهما قاصران.
ركز الفريق على مجدل عنجر وشْتورا، مستفيدا من العلاقات والثقة التي بنتها «النساء الآن» عبر مراكزها المجتمعية في المنطقتين. وبعد ما يقارب 40 اجتماعا فرديا مع قيادات محتملة، توسع الفريق المؤسس ليصبح 17 قائدا وقائدة.
لم يكن الهدف جمع أكبر عدد ممكن من المشاركين، بل اختيار أشخاص ينتمون إلى الفئة المتأثرة بالقضية، ولديهم روابط قوية بالمجتمع، وغير مدفوعين بالحصول على مقابل مالي، ولديهم استعداد للتعلم والنمو.
بحلول حزيران 2020، تجاوزت الحملة أهدافها الأولية، إذ حصلت على تعهدات من 1826 أسرة، وتمكنت من تغيير موقف 176 أسرة كانت تؤيد تزويج الأطفال.
ومن بين الأُسر التي قدمت تعهداتها، قامت نحو 1100 أسرة بتحويل التزامها إلى فعل علني من خلال وضع شعار الحملة على واجهات منازلها أو خيامها. وأصبح الشعار علامة مرئية على وجود أشخاص داخل المجتمع يرفضون تزويج الأطفال، كما دفع أشخاصا آخرين إلى السؤال عن الحملة والانضمام إليها. كما حصلت الحملة على دعم ستة رجال دين من طوائف ومذاهب مختلفة من خلال تسجيلات مصورة، إضافة إلى تأييد خمس بلديات في البقاع.
إشراك الرجال في التغيير
من خلال الاستماع إلى المجتمع، اكتشف فريق الحملة أن الرجال، وخاصة الآباء، يلعبون دورا أساسيا في القرارات المتعلقة بزواج الفتيات. لذلك، حافظت النساء على دورهن في قيادة الحملة، وفي الوقت نفسه بدأت الحملة بإشراك الرجال بشكل أكبر.
ومن هنا جاءت مبادرة «الآباء الشجعان»، حيث بدأ الرجال المشاركون في الحملة بالتحدث مع رجال آخرين حول تزويج الأطفال ومحاولة التدخل في الحالات التي يعرفون عنها.
وبحلول تشرين الثاني 2021، كان هناك 90 رجلا يشاركون بشكل نشط، وساهموا في إلغاء 61 حالة خطوبة وتأجيل 50 حالة، كما وافقت 100 أسرة على عدم تزويج بناتها القاصرات.
وفي مرحلة لاحقة، وسّعت الحملة عملها ليشمل الأطفال والشباب، وشجعتهم على المشاركة في مواجهة تزويج الأطفال داخل أسرهم ومجتمعاتهم. كما انتقلت الحملة من العمل مع العائلات إلى التواصل مع القيادات الدينية والمؤسسات القضائية. وأسفرت هذه الجهود عن توجيه من المحكمة الشرعية بشأن الأشخاص غير المخولين بعقد زيجات القاصرات، وإمكانية الإبلاغ عن المخالفات ومتابعتها وفق الإجراءات القانونية.
وبذلك، لم تبق الحملة محصورة في التوعية أو تغيير مواقف الأسر، بل تطورت مع الوقت لتشمل فئاتاً مجتمعية جديدة واستخدام تكتيكات مختلفة، من الاجتماعات المنزلية والتعهدات، إلى إشراك الرجال والشباب والتواصل مع المؤسسات. ويظهر هذا التطور أن الحملة الناجحة لا تعتمد بالضرورة على تكتيك واحد ثابت، بل تراجع ما حققته في كل مرحلة وتختار تكتيكات جديدة تساعدها على الاقتراب من هدفها.