نظرة عامة على التكتيك
على مستوى العالم، يفتقر أكثر من 2.1 مليار شخص إلى خدمات مياه الشرب المأمونة. ويُقدَّر أن نحو 785 مليون شخص ما زالوا محرومين من خدمة أساسية لمياه الشرب، فيما تسهم المياه غير الآمنة في أكثر من 800 ألف حالة وفاة سنوياً. ولا يزال العالم بعيداً عن تحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بضمان حصول الجميع على المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي.
الأكثر تهميشاً هم سكان المجتمعات الصغيرة والنائية. فبسبب تركيز الحكومات ومقدمي الخدمات ومعظم المنظمات غير الحكومية على المناطق ذات الكثافة السكانية العالية لتعظيم مؤشرات الأثر، غالباً ما تُترك المجتمعات منخفضة الكثافة خارج نطاق الاهتمام.
انطلاقاً من إدراك هذه الفجوة، أطلق مشروع “ماجي” نموذجاً مالياً مستداماً قادراً على الوصول إلى هذه المجتمعات المنسية. ومنذ عام 2015، قام المشروع بتنفيذ وصيانة أنظمة مياه شرب مأمونة تعمل بالطاقة الشمسية في مجتمعات ريفية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وبالاعتماد على نهج قائم على البيانات ومرتكز إلى حقوق الإنسان، وثّقت المنظمة “الأثر المتسلسل” لتوفير المياه النظيفة على حقوق أخرى، بما في ذلك الصحة، والمساواة بين الجنسين، والتعليم، والمشاركة الاقتصادية.
وبدلاً من التعامل مع المياه كمشروع بنية تحتية لمرة واحدة، يدمج هذا النموذج مبادئ الاستدامة والمساءلة والمشاركة المجتمعية في تصميم النظام منذ البداية.
المشكلة التي يسعى التكتيك إلى معالجتها
غالباً ما تفشل التدخلات التقليدية في مجال المياه الريفية مع مرور الوقت. ففي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، يكون نحو واحد من كل أربع مضخات يدوية خارج الخدمة في أي لحظة. وتؤدي الأعطال الميكانيكية، وضعف أنظمة المتابعة، وغياب التمويل المخصص للصيانة إلى خسائر تُقدَّر بنحو 1.2 مليار دولار أمريكي سنوياً من الاستثمارات.
إضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد الكبير على تمويل المانحين يخلق أنظمة هشّة عرضة لتغير أولويات المساعدات. ومن دون تخطيط مالي وتقني طويل الأمد، تتدهور أنظمة المياه تدريجياً، مما يقلل الحق الإنساني في المياه ويُضعف ثقة المجتمعات المحلية.
تقضي النساء والفتيات مجتمعين نحو 250 مليون ساعة يومياً في جمع المياه، وغالباً من مصادر غير آمنة. ويؤدي الوقت المستغرق في جمع المياه إلى انخفاض معدلات التحاق الفتيات بالمدارس ويحدّ من مشاركة النساء الاقتصادية. كما تزيد الرحلات الطويلة لجلب المياه من مخاطر التعرض للعنف القائم على النوع الاجتماعي. وتسهم المياه غير الآمنة في انتشار أمراض يمكن الوقاية منها، مما يعزز دوائر الفقر. وعند تعطل أنظمة المياه، تتحمل النساء والفتيات بشكل غير متناسب تبعات ذلك.
نبذة عن مشروع ماجي
تأسس مشروع “ماجي” على يد سونيل لالفاني بعد أن شاهد طفلين يشربان من بركة مياه على جانب الطريق في إحدى المناطق الريفية في غانا. وعند التحقق من الوضع، تبيّن أن قريتهما كانت تضم بئراً، لكن المضخة اليدوية الخاصة به كانت معطّلة.
انطلاقاً من خبرته في مجال الإلكترونيات الاستهلاكية، طوّر سونيل أكشاك مياه تعمل بالطاقة الشمسية ومزوّدة بأنظمة دفع رقمية وأنظمة مراقبة عن بُعد، صُممت لمعالجة أوجه القصور الهيكلية التي تؤدي إلى تعطل أنظمة المياه التقليدية.
كيف يعمل التكتيك
يركّز هذا النهج على المجتمعات الريفية التي يتراوح عدد سكانها بين نحو 1,000 و1,500 شخص أو أقل، وهي مجتمعات غالباً ما تُستثنى من خطط التوسع الوطنية للبنية التحتية.
الهدف هو ضمان عدم ترك أي شخص خلف الركب، مع توفير أنظمة مستدامة بيئياً ومالياً.
اليوم، يدير مشروع “ماجي” أكثر من 480 نقطة وصول إلى المياه في غانا وكينيا وأوغندا، ويوفّر وصولاً طويل الأمد إلى المياه النظيفة لما يقارب نصف مليون شخص. ومن المخطط التوسع إلى نيجيريا في عام 2026.
الخطوة الأولى: التحديد
يبدأ المشروع بإشراك المجتمع المحلي بشكل واسع، انسجاماً مع نهج قائم على حقوق الإنسان. وتُستخدم صور الأقمار الصناعية لتحديد المجتمعات الريفية الصغيرة التي تفتقر إلى بدائل آمنة للمياه. ثم تجري الفرق الميدانية مشاورات لتقييم الاحتياجات، ومدى الاستعداد للمشاركة، والأولويات المحلية.
تُجمع بيانات على مستوى الأسر من خلال مسوحات ما قبل التنفيذ، تشمل الوصول إلى المياه وجودتها، والوقت المستغرق لجلبها، والأبعاد المرتبطة بالنوع الاجتماعي. كما يشارك أفراد المجتمع في اتخاذ قرارات أساسية، مثل تحديد موقع كشك المياه. ويتم إشراك السلطات المحلية والإقليمية في مرحلة مبكرة لضمان الدعم المؤسسي وتقليل التأخيرات الإدارية.
الخطوة الثانية: البناء
استناداً إلى أكثر من عقد من الخبرة، يقوم المشروع بتركيب الأكشاك وشبكات الأنابيب خلال نحو أسبوع واحد. ويتم نقل المعدات في عبوات مسطّحة لتسهيل الوصول إلى المناطق النائية. وعند الإمكان، يُعاد تأهيل الآبار القائمة بدلاً من حفر آبار جديدة، مما يقلل التكاليف ويمنع تكرار الاستثمارات السابقة.
وبحكم عمل المشروع في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، صُممت أنظمة الطاقة الشمسية لتتلاءم مع الظروف البيئية المحلية، وبُنيت لتتحمل درجات الحرارة المرتفعة والبيئات الجافة.
الخطوة الثالثة: الصيانة
لا يقتصر دور المشروع على التركيب فقط، بل يستمر بعد التنفيذ. يتم توظيف مُشرفين محليين، وإجراء زيارات صيانة سنوية، كما تتيح أنظمة المراقبة الرقمية الفورية للفرق التقنية رصد الأعطال ومعالجتها بسرعة. ويُعد هذا النموذج المستمر للصيانة محورياً لضمان استدامة الأنظمة وتحقيق أثر طويل الأمد.
بينما تُغطّى الاستثمارات الرأسمالية الأولية من خلال المنح والتبرعات، تعتمد العمليات الجارية على نموذج تمويل مختلط. يدفع أفراد المجتمع رسوماً رمزية مقابل الحصول على المياه باستخدام رموز رقمية، وتُعاد استثمار هذه الإيرادات محلياً لتمويل الصيانة ورواتب المشرفين. ويضمن هذا النهج استمرارية عمل الأنظمة مع الحفاظ على القدرة على تحمل التكاليف وتعزيز المساءلة.
الأثر على حقوق الإنسان
يجري مشروع “ماجي” مسوحات قبل وبعد التدخل لقياس العائد الاجتماعي على الاستثمار ومدى إعمال مجموعة من حقوق الإنسان المترابطة، بما في ذلك الصحة، والتعليم، والمساواة بين الجنسين، والعمل اللائق. وتشمل الآثار الموثقة ما يلي:
- انخفاض معدلات الأمراض المنقولة عبر المياه
- زيادة معدلات التحاق الفتيات بالمدارس
- تعزيز المشاركة الاقتصادية للنساء
- تقليل التعرض للعنف القائم على النوع الاجتماعي
- تحسين إدارة الصحة المرتبطة بالدورة الشهرية
إن توفير مياه مأمونة وقريبة ويمكن الاعتماد عليها يخفف الأعباء الزمنية اليومية، ويعزز الكرامة والصحة والفرص المتاحة. وبهذا المعنى، لا تُعدّ المياه مجرد خدمة أساسية، بل حقاً مُمكِّناً يساهم في تعزيز عدة حقوق إنسان في آنٍ واحد.